الشنقيطي

514

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تنبيه في هذه الآيات المذكورة سؤال معروف ، وهو أن يقال : إن قول أيوب المذكور في « الأنبياء » في قوله ، إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ [ الأنبياء : 83 ] وفي « ص » في قوله ، إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) [ ص : 41 ] يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه ؛ مع أن قوله تعالى ، إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ( 44 ) [ ص : 44 ] يدل على كمال صبره ؟ والجواب - أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر وحاجة إلى ربه ، لا شكوى ولا جزع . قال أبو عبد اللّه القرطبي رحمه اللّه في تفسير هذه الآية الكريمة ، ولم يكن قوله مَسَّنِيَ الضُّرُّ الأنبياء : 83 ] جزعا ؛ لأن اللّه تعالى قال : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً [ ص : 44 ] بل كان ذلك دعاء منه . والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى اللّه تعالى ، والدعاء لا ينافي الرضا . قال الثعلبي : سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول : حضرت مجلسا غاصا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان ؛ فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال اللّه تعالى : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً [ ص : 44 ] فقلت : ليس هذا شكاية ، وإنما كان دعاء ؛ بيانه فَاسْتَجَبْنا لَهُ [ الأنبياء : 84 ] والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء . فاستحسنوه وارتضوه ؛ وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال : عرفه فاقة السؤال ليمن عليه بكرم النوال - انتهى منه . ودعاء أيوب المذكور ذكره اللّه في سورة « الأنبياء » من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله : أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ( 83 ) [ الأنبياء : 83 ] وذكره في سورة « ص » وأسند ذلك الشيطان في قوله : أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ ( 41 ) [ ص : 41 ] والنصب على جميع القراءات معناه : التعب والمشقة ، والعذاب : الألم . وفي نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في سورة « ص » هذه إشكال قوي معروف ؛ لأن اللّه ذكر في آيات من كتابه : أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام ؛ كقوله : إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ( 99 ) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ( 100 ) [ الزلزلة : 99 - 100 ] ، وقوله تعالى : وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ [ سبأ : 21 ] الآية ، وقوله تعالى مقررا له : وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : 22 ] ، وقوله تعالى : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ ( 42 ) [ الحجر : 42 ] . وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة ؛ منها ما ذكره الزمخشري قال : فإن قلت : لم نسبه إلى الشيطان ، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي إن إتعابهم وتعذيبهم وطره ، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحا إلا وقد نكبه وأهلكه ، وقد تكرر في